الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
265
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وهذه المناظرة بين العفريت من الجن والذي عنده علم من الكتاب ترمز إلى أنه يتأتى بالحكمة والعلم ما لا يتأتى بالقوة ، وأن الحكمة مكتسبة لقوله : عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ ، وأن قوة العناصر طبيعة فيها ، وأن الاكتساب بالعلم طريق لاستخدام القوى التي لا تستطيع استخدام بعضها بعضا . فذكر في هذه القصة مثلا لتغلب العلم على القوة . ولما كان هذان الرجلان مسخرين لسليمان كان ما اختصا به من المعرفة مزية لهما ترجع إلى فضل سليمان وكرامته أن سخر اللّه له مثل هذه القوى . ومقام نبوته يترفع عن أن يباشر بنفسه الإتيان بعرش بلقيس . والظاهر أن قوله : قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وقوله : قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ مثلان في السرعة والأسرعية ، والضمير البارز في رَآهُ يعود إلى العرش . والاستقرار : التمكن في الأرض وهو مبالغة في القرار . وهذا استقرار خاص هو غير الاستقرار العام المرادف للكون ، وهو الاستقرار الذي يقدر في الإخبار عن المبتدأ بالظرف والمجرور ليكون متعلّقا بهما إذا وقعا خبرا أو وقعا حالا ، إذ يقدر ( كائن ) أو ( مستقر ) فإن ذلك الاستقرار ليس شأنه أن يصرح به . وابن عطية جعله في الآية من إظهار المقدر وهو بعيد . ولما ذكر الفضل أضافه إلى اللّه بعنوان كونه ربّه لإظهار أن فضله عليه عظيم إذ هو عبد ربه . فليس إحسان اللّه إليه إلا فضلا محضا ، ولم يشتغل سليمان حين أحضر له العرش بأن يبتهج بسلطانه ولا بمقدرة رجاله ولكنه انصرف إلى شكر اللّه تعالى على ما منحه من فضل وأعطاه من جند مسخرين بالعلم والقوة ، فمزايا جميعهم وفضلهم راجع إلى تفضيله . وضرب حكمة خلقية دينية وهي : مَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ؛ فكل متقرب إلى اللّه بعمل صالح يجب أن يستحضر أن عمله إنما هو لنفسه يرجو به ثواب اللّه ورضاه في الآخرة ويرجو دوام التفضل من اللّه عليه في الدنيا ، فالنفع حاصل له في الدارين ولا ينتفع اللّه بشيء من ذلك . فالكلام في قوله : يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ لام الأجل وليست اللام التي يعدى بها فعل الشكر في نحو وَاشْكُرُوا لِي [ البقرة : 152 ] . والمراد ب مَنْ كَفَرَ من كفر فضل اللّه عليه بأن عبد غير اللّه ، فإن اللّه غني عن شكره وهو كريم في إمهاله ورزقه في هذه الدنيا . وقد تقدم عند قوله فيما تقدم : قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ [ النمل : 19 ] . والعدول عن الإضمار إلى الإظهار في قوله : فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ دون أن يقول :